أحمد بن علي القلقشندي

62

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وأعملنا الفكر فيما يستقيم به أمرها ويزول معه بوسها ، فيقف [ بنا ] الاجتهاد في ذلك على محجّة الصواب التي لا ضلال في سلوكها ، ويفضي منا الحرص إلى غاية لم يبلغها أحد من مدبّري الدول وملوكها ، فننتخب لخطير الخدم من كان قؤوما بها مستقلَّا بآصارها ، وننتجب لجليل الرّتب الأعيان من أمراء دولتنا وأنصارها ، حفظا لما استحفظناه من أمور العباد والبلاد ، ورفعا لعماد الصّلاح وحسما لموادّ الفساد . ولمّا كنت أيها الأمير من الأولياء الذين صفت في المخالصة ضمائرهم ، وحسنت في الطاعة عقائدهم وسرائرهم ، ونالوا من نبيه الحظَّ ما أطنب الواصف فيما يذكره منه ويرويه ، وأحمدوا المناصحة فيما رقوا فيه من درج التنويه ، وقد استكفيت مهمّات من الخدم فكفيت همّها وخفّفت ثقلها ، وأهّلت لولايات سنيّة فحملت كلَّها ، وكنت مستحقّا لها وأهلها ؛ فلك مواتّ حميدة من حسن المقاصد ومشكور المساعي ، وحرمات أكيدة ظلَّت على اصطفائك من أوفى البواعث وأقوى الدّواعي ؛ وكانت مدينة عسقلان - حماها اللَّه تعالى - ثغر الإسلام الذي لا ثغر له في الشام سواه ، والرّباط الذي من كان به فقد نال الثواب الجزيل وأحرزه وحواه ، وهو في عيون الكفار - خذلهم اللَّه - نكتة ( 1 ) وأسباب طمعهم فيه منقطعة بمحاماته منبتّة ؛ ونحن نوفّر اهتمامنا عليه رعاية لمكانه المكين ، وننتصي ( 2 ) الكفاة لتولَّيه توصّلا إلى النّكاية في المشركين ؛ وهو معقل للمسلمين المجاهدين وردّ ( 3 ) ، ومجاوروه قوم لدّ ، وأمرهم أمر إدّ ( 4 ) ؛ فيجب أن يرتاد لضبطه النّدب ( 5 ) الذي لا تهتبل غرّته ، ويسام لحفظه العضب ( 6 ) الذي لا

--> ( 1 ) النكتة : شبه وقرة في قرنية العين ، يسميها العامة : نقطة . ( 2 ) انتصى الشيء ( بالصاد المهملة ) : اختاره . ( 3 ) الرّدّ : الذي يحمي ويردّ . ( 4 ) الإدّ : الأمر الداهي المنكر . وفي التنزيل العزيز : « لقد جئتم شيئا إدّا » . ( 5 ) النّدب : السريع الخفيف عند الحاجة . والذي لا تهتبل غرّته : أي الذي لا يؤخذ على حين غرّة . ( 6 ) العضب : القاطع الحاد .